صفي الدين أبي الفتح عيسى بن البحتري الحلبي
166
أنس المسجون وراحة المحزون
لهذا أهلا فهبه للعرب كلّها ، فأنت تعلم أنّ ملوك العجم لم تزل تفضل على ملوك العرب ، ومن ذلك ما كان من كسرى إلى النّعمان حتى ملّكه ، وأنت اليوم نقيّة « 1 » العجم وشريفها ، والقاسم شريف العرب فكن اليوم شريفا من العجم أنعم على شريف من العرب وعفا عنه . فقال : ما عندي في هذا جواب إلّا ما سمعته مني . وتنكّر وتبيّنت الشرّ في وجهه ، فقلت في نفسي : أنصرف ، وأدع هذا يقتل ، لا واللّه ، ولكنّي أمثل بين يديه قائما [ وأكلّمه ] « 2 » فلعلّه يستحي . فقمت ، وتوهّمني أريد الانصراف فتحفّز لي . فقلت : لست أريد الانصراف ، وإنّما مثلت بين يديك قائما طالبا ضارعا سائلا مستوهبا هذا الرّجل منك . وكان جوابه أغلظّ فتحيّرت ، وقلت في نفسي ، أقبّل رأس هذا الأقلف « 3 » لا يكون هذا أبدا . ثم راجعتني الشّفقة على أبي دلف ، فقبّلت رأسه وضرعت إليه ، فلم يجبني ، فأخذت فيما قدم وحدث « 4 » ، وعدت فجلست ، وقلت : يا أبا الحسن ، قد طلبت إليك وضرعت ووضعت خدّي لك ومثلت بين يديك وقبّلت رأسك ، فشفّعني ، واصرفني شاكرا فهو أجمل بك . فقال : لا واللّه ، ما عندي إلّا ما قلت لك . فقلت : فإنّي رسول أمير المؤمنين إليك ، وهو يقول لك : لا تحدثنّ في القاسم بن عيسى حدثا ، فإنّك إن قتلته ، قتلت به . فقال : أمير المؤمنين يقول هذا بعد أن أطلق يدي عليه ؟ قلت : نعم ، أنا رسول أمير المؤمنين إليك بما قلته لك ، فإن تكن في الطّاعة فاسمع وأطع ، وإن كنت قد خلعت ، فقل : لا طاعة ، ونفضت في وجهه يدي ، وقمت . فاضطرب حتى إنّه لا يقدر أن يدعو إليّ دابتي « 5 » ، وركبت وأغذذت السّير إلى
--> ( 1 ) في الفرج بعد الشدة : بقيّة . ( 2 ) ما بين معقوفين من الفرج بعد الشدة . ( 3 ) الأقلف : من لم يختن . القاموس ( قلف ) وكانت هذه من أدلّة خصومه على زندقته ! ! ومن ثمّ الإطاحة برأسه . وانظر الخبر في تاريخ الطبري 9 / 110 و 113 . ( 4 ) في الفرج بعد الشدة : فأخذني فيما قدّم وما حدث . ( 5 ) في الفرج بعد الشدة : لي بدابتي .